الجمعة، 1 يناير، 2010

حنيــــــــــــــــن





معلوم أن الإنسان يحِن دائما لمكان ولادته ، وبين الحين والآخر يتذكره ويتمنى لو أنه يعيش فيه ، وذلك إن كان بعيدا عنه ، فإن إستطاع أن يذهب إليه ذهب خاصة حين تضيق به الدنيا بما رحبت أو يكون فى ساعة يتمنى فيها أن يذهب لمكان لا يدرى أين هو وفى اللحظة نفسها يتذكر مكان ولادته ، المكان الذى شهد أول لحظة له فى هذه الدنيا ، فإن كان هذا المكان هو أصله فمن الفطرة أن يحن الإنسان لهذا الأصل ...






فإن لم يستطع أن يذهب الإنسان إليه يظل فى النفس حنين يراوده ويذكِره بهذا المكان ولو مجرد إسم سمع عنه ولم يره أو يتذكره ، وإن كان كل هذا الحنين لمكان الجسد ( المادة ) فكيف يكون الحنين لمكان ولادة الروح أو الشعور بالحياة الحقيقية ؟؟ المكان الذى يشعر الإنسان أنه لم يكن حيا قبل مجيئه إليه !! وإن كان الحنين إلى من كانوا سبب ولادة المادة ( الجسد ) ووجودها فى هذه الدنيا فكيف يكون الحنين والإنتماء لمن كان سببا فى ولادة الروح والإحساس الحقيقى بالحياة ؟






والفرق كبير فالجسد وجد ولم يكن للإنسان يد فى ذلك ولم يكن يعقل ولم يشعر بلذة هذه الولادة وهذه الحياة ، أما بولادة النفس والإحساس والروح ( الأشياء المعنوية ) فإن الإنسان يكون فى كامل عقله وكامل إرادته وإحساسه ، ويكون غالبا مختارا للإستمرار فى هذه الطريق ولاشك ليس كل جسد مادى يقبل الإستمرار فى النيل من هذا النبع فإنه بقدر الله تعالى ومشيئته أولا وتوفيقه لمن يتحكم بهذا الجسد وهو العقل فيهديه ويجعل ما يوافقه هو نفسه ما يوافق القلب المخلوق على الفطرة السليمة فإن إجتمع العقل بالتفكير والإقتناع مع القلب بالإحساس واليقين نتج عن هذا اليقين فعل يسانده ويترجمه بعمل الجوارح .






ذلك وتصل درجة اليقين إلى أفضل مستوياتها إن مرت بمراحل هي أن يعرف العقل أولا ثم يفكر فى كافة النواحي مع عرضها على ما أمر الله به


ونهى عنه فإن إقتنع العقل بالفائدة كان التسليم للقلب الذى يتولى الوصول لأعلى درجات اليقين مستندا للعقل الذى طالما إقتنع لا يعود للخلف إذا كان تفكيره سليما من كافة الجوانب فيكون عمل للقلب على أساس يجعله يتقدم دون خوف ويتحقق ماله من السيطرة على باقى الجوارح فهو الملك الذى إذا صلح صلحت الرعية فى عملها وإن خاف الله وإتقاه كان عمل الجوارح فى مرضاة الله تعالى فيصل الإنسان بإعتقاده ، ويقينه وعمله الصالح إلى الدرجات العلا ....






وفى الدين وما جاء به رسولنا الكريم – صلى الله عليه وسلم – كل ما يجعل من السهل على العقل الإقتناع فهو ما يوافق فطرته وطبيعته ، فإن كان سليما إقتنع دون عناء ، وكذلك ففى الدين ما يجعل القلب يصل لليقين ، فإن وصل وجد حلاوة ، وراحة لا يمكن أن يفارقها أبدا ولا أن يختار عليها ما سواها .






فإن وجد ذلك فهى الولادة الحقيقية لهذا القلب فعندما ترى العين وتبصر وتسمع الأذن وتنصت ويحيا القلب ويفرح بحياته ، ويكون عندها كل الحنين لمن كان سببا فى أن يفكر العقل ومن ساعد القلب ودله على ما فى الدين من حلاوة من وجدها فقد وجد الحياة التى كانت غائبة عنه أو التى كان هو غائبا عنها ....






وكذلك فكل غالى وثمين يجب أن يسعى إليه من يريده فطوبى لمن وجد من يدله على طريق الوصول ، وكل الحنين والإنتماء لهذا الدليل ....






حنين يجعل القلب والعقل حين الضيق يبحثان عنه ويذهبان له لكى يذهب عنهما ما أهمها ، كالطفل الذى إذا ضاقت عليه الدنيا يبحث عن أمه وهو دائما على يقين فى أنها لن تتركه حزينا وسيجد عندها ما يجعله يعود أقوى مما كان فهى فى القلب دائما .....دائما .....